رأي ومقالات

مسارات : ما بعد…المليشيات بقلم إسماعيل محمود

أخباركم نيوز

مسارات : ما بعد…المليشيات بقلم إسماعيل محمود
أخباركم نيوز
لم تعد الأزمة الكبرى في الشرق الأوسط تتمثل في خلافات الحدود أو تنافس العواصم على النفوذ بقدر ما تتمثل في سؤال أكثر خطورة- كيف يمكن حماية الدولة الوطنية من التآكل والانهيار؟

خلال العقدين الماضيين دفعت المنطقة ثمناً (باهظاً) لصعود الجماعات المسلحة والمليشيات العابرة للحدود، ولتراجع سلطة الدولة في عدد من البلدان العربية. ومع كل أزمة جديدة كانت تتسع دائرة الخسائر، ليس على مستوى الأمن فقط بل على مستوى الاقتصاد والاستقرار الاجتماعي وفرص التنمية ومستقبل الأجيال.

ولعل التجربة السودانية، بما حملته من مآسٍ إنسانية وخسائر وطنية جسيمة، أعادت طرح السؤال بصورة أكثر إلحاحاً: هل تستطيع المنطقة الاستمرار في التعايش مع واقع تتقدم فيه المليشيات على مؤسسات الدولة؟ أم أن اللحظة قد حانت لإعادة الاعتبار لفكرة الدولة الوطنية باعتبارها الضامن الوحيد للاستقرار والتنمية؟
المؤشرات الراهنة توحي بأن عدداً متزايداً من دول المنطقة بات أكثر اقتناعاً بأن استمرار الفوضى لم يعد خياراً مقبولاً، وأن تكلفة الدم والدمار.. أصبحت أعلى من قدرة الجميع على الاحتمال. ومن هنا بدأت تتشكل إرادة سياسية جديدة قوامها البحث عن الاستقرار، ورفض مشاريع التفكيك، ودعم المؤسسات الشرعية، وتجفيف (البيئات) التي تسمح بتمدد السلاح خارج سلطة الدولة.

هذه الإرادة لا تنطلق من اعتبارات أيديولوجية أو تحالفات ظرفية وإنما من مصالح مشتركة فرضتها الوقائع على الأرض. فالدول التي خبرت مخاطر الفوضى، أو رأت آثارها على جيرانها، أصبحت تدرك أن أمنها الوطني بات مرتبطاً بأمن الإقليم كله، وأن حماية الدولة الوطنية لم تعد شأناً داخلياً فحسب.. لكن قضية إقليمية بامتياز.

وفي قلب هذه التحولات تبرز المملكة العربية السعودية باعتبارها أحد أهم مراكز الثقل القادرة على تحويل هذه الإرادة إلى مشروع عملي. ليس فقط لما تملكه من مكانة دينية واقتصادية وسياسية، وإنما لكونها تمتلك القدرة على جمع التوافقات وبناء الشراكات وفتح (مسارات) الحل الإستراتيجي.

ولعل ما يميز الدور السعودي في هذه المرحلة أنه لا يقوم على صناعة المحاور بقدر ما يقوم على توسيع دائرة المصالح المشتركة وإعطاء الأولوية للاستقرار والتنمية واحتواء الأزمات وهي (مقاربة) تجد قبولاً متزايداً لدى العديد من دول المنطقة التي باتت ترى أن المستقبل لا يمكن أن يبنى على التصدعات وتفاقم التشظي.. وإنما على التعاون والتكامل واحترام سيادة الدول.

إن ما نشهده اليوم قد لا يكون مجرد إعادة تموضع سياسي عابر لكن هو بداية تشكل معادلة إقليمية جديدة عنوانها الرئيسي الدولة أولاً دولة تمتلك مؤسساتها، وتحتكر أدوات القوة المشروعة، وتحمي حدودها وتوفر لشعوبها فرصة العيش الكريم.

ولهذا فإن السؤال المطروح لم يعد من يملك النفوذ الأكبر، بل من يملك القدرة على قيادة مرحلة استعادة الاستقرار وفي ظل التحديات المتصاعدة التي تواجه المنطقة، يبدو أن إرادة الدول المتضررة من الفوضى بدأت تتلاقى حول هدف واحد إنهاء زمن المليشيات… وإعادة بناء نظام إقليمي أكثر توازناً واستقراراً، تكون فيه الدولة الوطنية هي الرابح الأكبر.
(مسارات) الراكوبة السودانية.. فلسفة الظل السوداني… بقلم إسماعيل محمود

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى